فصل: تفسير الآيات رقم (58- 66)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البيضاوي المسمى بـ «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 66‏]‏

‏{‏وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ‏(‏60‏)‏ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏(‏61‏)‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏(‏63‏)‏ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ‏(‏64‏)‏ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ‏(‏65‏)‏ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏(‏66‏)‏‏}‏

‏{‏وَرَبُّكَ الغفور‏}‏ البليغ المغفرة‏.‏ ‏{‏ذُو الرحمة‏}‏ الموصوف بالرحمة‏.‏ ‏{‏لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب‏}‏ استشهاد على ذلك بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ‏}‏ وهو يوم بدر أو يوم القيامة‏.‏ ‏{‏لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً‏}‏ منجاً ولا ملجأ، يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه‏.‏

‏{‏وَتِلْكَ القرى‏}‏ يعني قرى عاد وثمود وأضرابهم، ‏{‏وَتِلْكَ‏}‏ مبتدأ خبره‏.‏ ‏{‏أهلكناهم‏}‏ أو مفعول مضمر مفسر به، و‏{‏القرى‏}‏ صفته ولا بد من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضمائر‏.‏ ‏{‏لَمَّا ظَلَمُواْ‏}‏ كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا‏}‏ لإِهلاكهم وقتاً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وقرأ أبو بكر ‏{‏لِمَهْلِكِهِم‏}‏ بفتح الميم واللام أي لهلاكهم، وحفص بكسر اللام حملاً على ما شذ من مصادر يفعل كالمرجع والمحيض‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى‏}‏ مقدر باذكر‏.‏ ‏{‏لفتاه‏}‏ يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه وقيل لعبده‏.‏ ‏{‏لا أَبْرَحُ‏}‏ أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر وقوله‏:‏ ‏{‏حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين‏}‏ من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه، ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير والفعل وأن يكون ‏{‏لا أَبْرَحُ‏}‏ هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر، و‏{‏مَجْمَعَ البحرين‏}‏ ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه‏.‏ وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن‏.‏ وقرئ «مِجْمَعَ» بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع ‏{‏أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً‏}‏ أو أسير زماناً طويلاً، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون‏.‏ روي‏:‏ أن موسى عليه الصلاة والسلام خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة فأعجب بها فقيل له‏:‏ هل تعلم أحداً أعلم منك فقال‏:‏ لا، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى‏.‏ وقيل إن موسى عليه السلام سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى، قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه، قال أعلم منك الخضر قال‏:‏ أين أطلبه، قال على الساحل عند الصخرة، قال كيف لي به قال تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان‏.‏

‏{‏فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا‏}‏ أي مجمع البحرين و‏{‏بَيْنَهُمَا‏}‏ ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل‏.‏ ‏{‏نَسِيَا حُوتَهُمَا‏}‏ نسي موسى عليه الصلاة والسلام أن يطلبه ويتعرف حاله، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر‏.‏ روي‏:‏ أن موسى عليه السلام رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر‏.‏ وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء‏.‏ وقيل نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب ‏{‏فاتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر سَرَباً‏}‏ فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً من قوله ‏{‏وَسَارِبٌ بالنهار‏}‏ وقيل أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَاوَزَا‏}‏ مجمع البحرين‏.‏ ‏{‏قَالَ لفتاه ءاتِنَا غَدَاءنَا‏}‏ ما نتغذى به‏.‏ ‏{‏لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً‏}‏ قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب‏.‏ وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإِشارة‏.‏

‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا‏}‏ أرأيت ما دهاني إذ أوينا‏.‏ ‏{‏إِلَى الصخرة‏}‏ يعني الصخرة التي رقد عندها موسى‏.‏ وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت‏.‏ ‏{‏فَإِنّى نَسِيتُ الحوت‏}‏ فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ‏}‏ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن ‏{‏أَنْ أَذْكُرَهُ‏}‏ بدل من الضمير، وقرئ «أن أذكركه»‏.‏ وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان‏.‏ ‏{‏واتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر عَجَبًا‏}‏ سبيلاً عجباً وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجباً، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه، أو موسى في جوابه عجباً تعجباً من تلك الحال‏.‏ وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجباً‏.‏

‏{‏قَالَ ذَلِكَ‏}‏ أي أمر الحوت‏.‏ ‏{‏مَا كُنَّا نَبْغِ‏}‏ نطلب لأنه أمارة المطلوب‏.‏ ‏{‏فارتدا على ءاثَارِهِمَا‏}‏ فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه‏.‏ ‏{‏قَصَصًا‏}‏ يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة‏.‏

‏{‏فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا‏}‏ الجمهور على أنه الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان‏.‏ وقيل اليسع‏.‏ وقيل إلياس‏.‏ ‏{‏ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا‏}‏ هي الوحي والنبوة‏.‏ ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا‏}‏ مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب‏.‏

‏{‏قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ‏}‏ على شرط أن تعلمني، وهو في موضع الحال من الكاف‏.‏ ‏{‏مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً‏}‏ علماً ذا رشد وهو إصابة الخير، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل، وهو مفعول ‏{‏تُعَلّمني‏}‏ ومفعول ‏{‏عَلِمَتِ‏}‏ العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون رشداً علة لأتبعك أو مصدراً بإضمار فعله، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏67‏]‏

‏{‏قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏67‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏ نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً‏}‏ أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك، وخبراً تمييز أو مصدر لأَن لم تحط به بمعنى لم تخبره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا‏}‏ معك غير منكر عليك‏.‏ ‏{‏وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً‏}‏ عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغير عاص، أو على ستجدني‏.‏ وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وخلفه ناسياً لا يقدح في عصمته أو لعلمه بصعوبة الْامر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خلف، وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَئ‏}‏ فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته‏.‏ ‏{‏حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً‏}‏ حتى أبتدئك ببيانه، وقرأ نافع وابن عامر «فَلاَ تَسْأَلْنِّي» بالنون الثقيلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏فانطلقا‏}‏ على الساحل يطلبان السفينة، ‏{‏حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا‏}‏ أخذ الخضر فأساً فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها‏.‏ ‏{‏قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا‏}‏ فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها‏.‏ وقرئ «لِتُغَرِّقْ» بالتشديد للتكثير‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل‏.‏ ‏{‏لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا‏}‏ أتيت أمراً عظيماً من أمر الأمر إذا عظم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏ تذكير لما ذكره قبل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 82‏]‏

‏{‏قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏(‏73‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ‏(‏74‏)‏ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏75‏)‏ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ‏(‏76‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏(‏77‏)‏ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏78‏)‏ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏(‏79‏)‏ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏(‏80‏)‏ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏(‏81‏)‏ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ لا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ‏}‏ بالذي نسيته أو بشيء نسيته، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها‏.‏ وقيل أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة‏.‏ وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه‏.‏ ‏{‏وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً‏}‏ ولا تغشني عسراً من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر على متابعتك و‏{‏عُسْراً‏}‏ مفعول ثان لترهق فانه يقال‏:‏ رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه، وقرئ ‏{‏عُسُراً‏}‏ بضمتين‏.‏

‏{‏فانطلقا‏}‏ أي بعد ما خرجا من السفينة‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ‏}‏ قيل فتل عنقه، وقيل ضرب برأسه الحائط، وقيل أضجعه فذبحه والفاء للدلالة على أنه كما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال ولذلك‏:‏ ‏{‏قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ‏}‏ أي طاهرة من الذنوب، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب «زاكية» والأول أبلغ، وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولعله اختار الأول لذلك فإنها كانت صغيرة ولم تبلغ الحلم أو أنه لم يرها قد أذنبت ذنباً يقتضي قتلها، أو قتلت نفساً فتقاد بها، نبه به على أن القتل إنما يباح حداً أو قصاصاً وكلا الأمرين منتف، ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى عليه الصلاة والسلام مستأنفاً في الأولى وفي الثانية قتله من جملة الشرط واعتراضه جزاء، لأن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديراً بأن يجعل عمدة الكلام ولذلك فصله بقوله‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً‏}‏ أي منكراً، وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر ‏{‏نُّكْراً‏}‏ بضمتين‏.‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏ زاد فيه ‏{‏لَكَ‏}‏ مكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ووسماً بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة‏.‏

‏{‏قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَئ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى‏}‏ وإن سألت صحبتك، وعن يعقوب «فلا تصحبني» أي فلا تجعلني صاحبك‏.‏ ‏{‏قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً‏}‏ قد وجدت عذراً من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات‏.‏ وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ‏"‏ وقرأ نافع «مِن لَّدُنّي» بتحريك النون والاكتفاء بها عن نون الدعامة كقوله‏:‏

قِدْنِي مِنْ نَصْرِ الحَبِيبَينِ قُدى *** وأبو بكر ‏{‏لَّدُنّى‏}‏ بتحريك النون وإسكان الضاد من عضد‏.‏

‏{‏فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ‏}‏ أنطاكية وقيل أبلة البصرة‏.‏

وقيل باجروان أرمينية‏.‏ ‏{‏استطعما أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا‏}‏ وقرئ ‏{‏يُضَيّفُوهُمَا‏}‏ من أضافه يقال ضافه إذا نزل به ضيفاً وأضافه وضيفه أنزله، وأصل التركيب للميل يقال ضاف السهم عن الغرض إذا مال‏.‏ ‏{‏فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ‏}‏ يداني أن يسقط فاستعيرت الإِرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم قال‏:‏

يُرِيدُ الرُّمْح صَدْرَ أَبِي بَرَاء *** وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَاءِ بَني عَقِيلِ

وقال‏:‏

إِنَّ دَهْراً يَلُمُّ شَمْلي بجمل *** لزمانٌ يَهُمُّ بِالإِحْسَانِ

وانقض انفعل من قضضته إذا كسرته، ومنه انقضاض الطير والكواكب لهويه، أو أفعل من النقض‏.‏ وقرئ «أَن يَنقَض» و«أن ينقاص» بالصاد المهملة من انقاصت السن إذا انشقت طولاً‏.‏ ‏{‏فَأَقَامَهُ‏}‏ بعمارته أو بعمود عمده به، وقيل مسحه بيده فقام‏.‏ وقيل نقضه وبناه‏.‏ ‏{‏قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً‏}‏ تحريضاً على أخذ الجعل لينتعشا به، أو تعريضاً بأنه فضول لما في ‏{‏لَوْ‏}‏ من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه، واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين، وقرأ ابن كثير والبصريان «لتخذت» أي لأخذت وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الدال وأدغمه الباقون‏.‏

‏{‏قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ‏}‏ الإِشارة إلى الفراق الموعود بقوله ‏{‏فَلاَ تُصَاحِبْنِى‏}‏ أو إلى الاعتراض الثالث، أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته، وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، وقد قرئ على الأصل‏.‏ ‏{‏سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً‏}‏ بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه لكونه منكراً من حيث الظاهر‏.‏

‏{‏أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر‏}‏ لمحاويج، وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئاً إذا لم يكفه‏.‏ وقيل سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك أو لزمانتهم فإنها كانت لعشرة إخوة خمسة زمني وخمسة يعملون في البحر‏.‏ ‏{‏فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا‏}‏ أن أجعلها ذات عيب‏.‏ ‏{‏وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ‏}‏ قدامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه، واسمه جلندى بن كركر، وقيل منوار بن جلندي الأزدي‏.‏ ‏{‏يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً‏}‏ من أصحابها‏.‏ وكان حق النظم أن يتأخر قوله ‏{‏فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا‏}‏ عن قوله ‏{‏وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ‏}‏ لأن إرادة التعيب مسببة عن خوف الغصب وإنما قدم للعناية أو لأن السبب لما كان مجموع الأمرين خوف الغصب ومسكنة الملاك رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم، وقرئ «كل سفينة صالحة» والمعنى عليها‏.‏

‏{‏وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا‏}‏ أن يغشيهما‏.‏ ‏{‏طغيانا وَكُفْراً‏}‏ لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شراً، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره يجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يعديهما بعليه فيرتدا بإضلاله، أو بممالأته على طغيانه وكفره حياله وإنما خشي ذلك لأن الله تعالى أعلمه‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏:‏ أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان، فكتب إليه إن كنت علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل‏.‏ وقرئ «فخاف ربك» أي فكره كراهة من خاف سوء عاقبته، ويجوز أن يكون قوله ‏{‏فَخَشِينَا‏}‏ حكاية قول الله عز وجل‏.‏

‏{‏فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ‏}‏ أن يرزقهما ولداً خيراً منه‏.‏ ‏{‏زكواة‏}‏ طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة‏.‏ ‏{‏وَأَقْرَبَ رُحْماً‏}‏ رحمة وعطفاً على والديه‏.‏ قيل ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت له نبياً هدى الله به أمة من الأمم، وقرأ نافع وأبو عمرو «يُبْدِّلَهُمَا» بالتشديد وابن عامر ويعقوب وعاصم «رحماً» بالتخفيف، وانتصابه على التمييز والعامل اسم التفضيل وكذلك ‏{‏زكواة‏}‏‏.‏

‏{‏وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة‏}‏ قيل اسمهما أصرم وصريم، واسم المقتول جيسور‏.‏ ‏{‏وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا‏}‏ من ذهب وفضة، روي ذلك مرفوعاً والذم على كنزهما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة‏}‏ لمن لا يؤدي زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق‏.‏ وقيل من كتب العلم‏.‏ وقيل كان لوح من ذهب مكتوب فيه‏:‏ عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله‏.‏ ‏{‏وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا‏}‏ تنبيه على أن سعيه ذلك كان لصلاحه‏.‏ قيل كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء وكان سياحاً واسمه كاشح‏.‏ ‏{‏فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا‏}‏ أي الحلم وكمال الرأي‏.‏ ‏{‏وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رَّبّكَ‏}‏ مرحومين من ربك، ويجوز أن يكون علة أو مصدراً لأراد فإن إرادة الخير رحمة‏.‏ وقيل متعلق بمحذوف تقديره فعلت ما فعلت رحمة من ربك، ولعل إسناد الإِرادة أولاً إلى نفسه لأنه المباشر للتعييب وثانياً إلى الله وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد الله بدله، وثالثاً إلى الله وحده لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين‏.‏ أو لأن الأول في نفسه شر، والثالث خير، والثاني ممتزج‏.‏ أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط‏.‏ ‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ‏}‏ وما فعلت ما رأيته‏.‏ ‏{‏عَنْ أَمْرِي‏}‏ عن رأيي وإنما فعلته بأمر الله عز وجل، ومبني ذلك على أنه إذا تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً‏}‏ أي ما لم تستطع فحذف التاء تخفيفاً‏.‏

ومن فوائد هذة القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقابل وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجر عنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ذِى القرنين‏}‏ يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم‏.‏ وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان، وقيل كان لتاجه قرنان‏.‏ ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه‏.‏ واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه، والسائلون هم اليهود سألوه امتحاناً أو مشركو مكة‏.‏ ‏{‏قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً‏}‏ خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين‏.‏ وقيل لله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏

‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض‏}‏ أي مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول‏.‏ ‏{‏واتيناه مِن كُلّ شَئ‏}‏ أراده وتوجه إليه‏.‏ ‏{‏سَبَباً‏}‏ وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 86‏]‏

‏{‏فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏‏}‏

‏{‏فَاتبعَ سَبَباً‏}‏ أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سبباً يوصله إليه، وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء‏.‏

‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏ ذات حمأ من حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة‏.‏ وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر «حامية» أي حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين أو «حمية» على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها‏.‏ ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال ‏{‏وَجَدَهَا تَغْرُبُ‏}‏ ولم يقل كانت تغرب‏.‏ وقيل إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ «حامية» فقال «حمئة» فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجده في التوراة ‏{‏وَوَجَدَ عِندَهَا‏}‏ عند تلك العين‏.‏ ‏{‏قَوْماً‏}‏ قيل كان لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما لفظه البحر، وكانوا كفاراً فخيره الله بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإِيمان كما حكى بقوله‏.‏ ‏{‏قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ‏}‏ أي بالقتل على كفرهم‏.‏ ‏{‏وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً‏}‏ بالإِرشاد وتعليم الشرائع‏.‏ وقيل خيره الله بين القتل والأسر وسماه إحساناً في مقابلة القتل ويؤيده الأول قوله‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏87‏]‏

‏{‏قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً‏}‏ أي فاختار الدعوة وقال‏:‏ أما من دعوته فظلم نفسه بالإِصرار على كفره أو استمر على ظلمه الذي هو الشرك فنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل، ثم يعذبه الله في الآخرة عذاباً منكراً لم يعهد مثله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏88‏]‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحا‏}‏ وهو ما يقتضيه الإِيمان‏.‏ ‏{‏فَلَهُ‏}‏ في الدارين‏.‏ ‏{‏جَزَاء الحسنى‏}‏ فعلته الحسنى‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص «جزاء» منوناً منصوباً على الحال أي فله المثوبة الحسنى مجزياً بها، أو على المصدر لفعله المقدر حالاً أي يجزي بها جزاء أو التمييز، وقرئ منصوباً غير منون على أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين ومنوناً مرفوعاً على أنه المبتدأ و‏{‏الحسنى‏}‏ بدله، ويجوز أن يكون ‏{‏أَمَّا‏}‏ وما للتقسيم دون التخيير أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإِحسان، فالأول لمن أصر على الكفر والثاني لمن تاب عنه، ونداء الله إياه إن كان نبياً فبوحي وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي‏.‏ ‏{‏وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا‏}‏ بما نأمر به‏.‏ ‏{‏يُسْراً‏}‏ سهلاً ميسراً غير شاق وتقديره ذا يسر، وقرئ بضمتين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏89‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً‏}‏ ثم أتبع طريقاً يوصله إلى المشرق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 100‏]‏

‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏92‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ‏(‏93‏)‏ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ‏(‏94‏)‏ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ‏(‏95‏)‏ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ‏(‏96‏)‏ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ‏(‏97‏)‏ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ‏(‏98‏)‏ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ‏(‏99‏)‏ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ‏(‏100‏)‏‏}‏

‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس‏}‏ يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولاً من معمورة الأرض، وقرئ بفتح اللام على إضمار مضاف أي مكان مطلع الشمس فإنه مصدر‏.‏ ‏{‏وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً‏}‏ من اللباس أو البناء، فإن أرضهم لا تمسك الأبنية أو أنهم اتخذوا الأسراب بدل الأبنية‏.‏

‏{‏كذلك‏}‏ أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار‏.‏ ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو ‏{‏نَجْعَلِ‏}‏ أو صفة قوم أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم‏.‏ ‏{‏وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ‏}‏ من الجنود والآلات والعدد والأسباب‏.‏ ‏{‏خُبْراً‏}‏ علماً تعلق بظواهره وخفاياه، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغاً لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير‏.‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً‏}‏ يعني طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال‏.‏

‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ‏}‏ بين الجبلين المبني بينهما سده وهماً جبلا أرمينية وأذربيجان‏.‏ وقيل جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع أرض الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب «بَيْنَ السُّدَّيْنِ» بالضم وهما لغتان‏.‏ وقيل المضموم لما خلقه الله تعالى والمفتوح لما عمله الناس لأنه في الأصل مصدر سمي به حدث يحدثه الناس‏.‏ وقيل بالكسر وبين ها هنا مفعول به وهو من الظروف المتصرفة‏.‏ ‏{‏وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً‏}‏ لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي «لا يفقهون» أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم فيه‏.‏

‏{‏قَالُواْ يَا ذَا القرنين‏}‏ أي قال مترجمهم وفي مصحف ابن مسعود قال «الذين من دونهم»‏.‏ ‏{‏إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ‏}‏ قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل‏.‏ وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف‏.‏ وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمز كما قرأ عاصم ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث‏.‏ ‏{‏مُفْسِدُونَ فِى الأرض‏}‏ أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلاف الزرع‏.‏ قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه، وقيل كانوا يأكلون الناس‏.‏ ‏{‏فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً‏}‏ نخرجه من أموالنا‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي «خراجاً» وكلاهما واحد كالنول والنوال‏.‏ وقيل الخراج على الأرض والذمة والخرج المصدر‏.‏ ‏{‏على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا‏}‏ يحجز دون خروجهم علينا وقد ضمه من ضم «السُّدَّيْنِ» غير حمزة والكسائي‏.‏

‏{‏قَالَ مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى خَيْرٌ‏}‏ ما جعلني فيه مكيناً من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه‏.‏

وقرأ ابن كثير «مكنني» على الأصل‏.‏ ‏{‏فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ‏}‏ أي بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الآلات‏.‏ ‏{‏أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا‏}‏ حاجزاً حصيناً وهو أكبر من السد من قولهم ثوب مردم إذا كان رقاعاً فوق رقاع‏.‏

‏{‏ءَاتُونِى زُبَرَ الحديد‏}‏ قطعه والزبرة القطعة الكبيرة، وهو لا ينافي رد الخراج والاقتصار على المعونة لأن الإِيتاء بمعنى المناولة، ويدل عليه قراءة أبي بكر«رَدْمًا ائتونى» بكسر التنوين موصولة الهمزة على معنى جيئوني بزبر الحديد، والباء محذوفة حذفها في أمرتك الخير ولأن إعطاء الآلة من الإِعانة بالقوة دون الخراج على العمل‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين‏}‏ بين جانبي الجبلين بتنضيدها‏.‏ وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريان بضمتين، وأبو بكر بضم الصاد وسكون الدال، وقرئ فتح الصاد وضم الدال وكلها لغات من الصدف وهو الميل لأن كلاً منهما منعزل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل‏.‏ ‏{‏قَالَ انفخوا‏}‏ أي قال للعملة انفخوا في الأكوار والحديد‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا جَعَلَهُ‏}‏ جعل المنفوخ فيه‏.‏ ‏{‏نَارًا‏}‏ كالنار بالإِحماء‏.‏ ‏{‏قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً‏}‏ أي آتوني قطراً أي نحاساً مذاباً أفرغ عليه قطراً، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه‏.‏ وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو معمول واحد أولى، إذ لو كان قطراً مفعول أفرغ حذراً من الإِلباس‏.‏ وقرأ حمزة وأبو بكر قال ‏{‏ءاتُونِى‏}‏ موصولة الألف‏.‏

‏{‏فَمَا اسطاعوا‏}‏ بحذف التاء حذراً من تلاقي متقاربين‏.‏ وقرأ حمزة بالإِدغام جامعاً بين الساكنين على غير حده‏.‏ وقرئ بقلب السين صاداً‏.‏ ‏{‏أَن يَظْهَرُوهُ‏}‏ أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه‏.‏ ‏{‏وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا‏}‏ لثخنه وصلابته‏.‏ وقيل حفر للأساس حتى بلغ الماء، وجعله من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى ساوى أعلى الجبلين، ثم وضع المنافيخ حتى صارت كالنار فصب النحاس المذاب عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً‏.‏ وقيل بناه من الصخور مرتبطاً بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها‏.‏

‏{‏قَالَ هذا‏}‏ هذا السد أو الأقدار على تسويته‏.‏ ‏{‏رَحْمَةٌ مّن رَّبّى‏}‏ على عباده‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى‏}‏ وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة‏.‏ ‏{‏جَعَلَهُ دَكّا‏}‏ مدكوكاً مبسوطاً مسوى بالأرض، مصدر بمعنى مفعول ومنه جمل أدك لمنبسط السنام‏.‏ وقرأ الكوفيون دكاء بالمد أي أرضاً مستوية‏.‏ ‏{‏وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً‏}‏ كائناً لا محالة وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين‏.‏

‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ‏}‏ وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد يموجون في بعض مزدحمين في البلاد، أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ويؤيده قوله‏:‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِى الصور‏}‏ لقيام الساعة‏.‏ ‏{‏فجمعناهم جَمْعاً‏}‏ للحساب والجزاء‏.‏

‏{‏وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ للكافرين عَرْضاً‏}‏ وأبرزناها وأظهرناها لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى‏}‏ عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتوحيد والتعظيم‏.‏ ‏{‏وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً‏}‏ استماعاً لذكري وكلامي لإِفراط صممهم عن الحق، فإن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصمت مسامعهم بالكلية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ أفظنوا والاستفهام للإِنكار‏.‏ ‏{‏أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى‏}‏ اتخاذهم الملائكة والمسيح‏.‏ ‏{‏مِن دُونِى أَوْلِيَاء‏}‏ معبودين نافعهم، أو لا أعذبهم به فحذف المفعول الثاني كما يحذف الخبر للقرينة، أوسد أن يتخذوا مسد مفعوليه وقرئ ‏{‏أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ أي إفكاً فيهم في النجاة، وأن بما في حيزها مرتفع بأنه فاعل حسب، فإن النعت إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل أو خبر له‏.‏ ‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ للكافرين نُزُلاً‏}‏ ما يقام للنزيل، وفيه تهكم وتنبيه على أن لهم وراءها من العذاب ما تستحقر دونه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏103‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ‏(‏103‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا‏}‏ نصب على التمييز وجمع لأنه من أسماء الفاعلين أو لتنوع أعمالهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ‏(‏104‏)‏‏}‏

‏{‏الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحياة الدنيا‏}‏ ضاع وبطل لكفرهم وعجبهم كالرهابنة فإنهم خسروا دنياهم وأخراهم، ومحله الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال أو الجر على البدل أو النصب على الذم‏.‏ ‏{‏وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا‏}‏ بعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏(‏105‏)‏‏}‏

‏{‏أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ‏}‏ بالقرآن أو بدلائله المنصوبة على التوحيد والنبوة‏.‏ ‏{‏وَلِقَائِهِ‏}‏ بالبعث على ما هو عليه أو لقاء عذابه‏.‏ ‏{‏فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ‏}‏ بكفرهم فلا يثابون عليها‏.‏ ‏{‏فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً‏}‏ فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقداراً واعتباراً، أو لا نضع لهم ميزاناً يوزن به أعمالهم لانحباطها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر ذلك وقوله‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ جملة مبينة له ويجوز أن يكون ‏{‏ذلك‏}‏ مبتدأ والجملة خبره والعائد محذوف أي جزاؤهم به، أو جزاؤهم بدله و‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ خبره أو ‏{‏جَزَآؤُهُمْ‏}‏ خبره و‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ عطف بيان للخبر‏.‏ ‏{‏بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا ءاياتى وَرُسُلِى هُزُواً‏}‏ أي بسبب ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً‏}‏ فيما سبق من حكم الله ووعده، و‏{‏الفردوس‏}‏ أعلى درجات الجنة، وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ حال مقدرة‏.‏ ‏{‏لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً‏}‏ تحولاً إذ لا يجدون أطيب منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً‏}‏ ما يكتب به، وهو اسم ما يمد الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج‏.‏ ‏{‏لكلمات رَبّى‏}‏ لكلمات علمه وحكمته‏.‏ ‏{‏لَنَفِدَ البحر‏}‏ لنفد جنس البحر بأمره لأن كل جسم متناه‏.‏ ‏{‏قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى‏}‏ فإنها غير متناهية لا تنفد كعلمه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء‏.‏ ‏{‏وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ‏}‏ بمثل البحر الموجود‏.‏ ‏{‏مَدَداً‏}‏ زيادة ومعونة، لأن مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهياً للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد، والمتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة‏.‏ وقرئ «ينفد» بالياء و‏{‏مَدَداً‏}‏ بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب ومداداً‏.‏ وسبب نزولها أن اليهود قالوا في كتابكم ‏{‏وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا‏}‏ وتقرؤون ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً‏.‏‏}‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ‏}‏ لا أدعي الإِحاطة على كلماته‏.‏ ‏{‏يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ‏}‏ وإنما تميزت عنكم بذلك‏.‏ ‏{‏فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ‏}‏ يؤمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه‏.‏ ‏{‏فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا‏}‏ يرتضيه الله‏.‏ ‏{‏وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا‏}‏ بأن يرائيه أو يطلب منه أجراً‏.‏ روي أن جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني لأعمل العمل لله فإذا أطلع عليه سرني فقال‏:‏ «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» فنزلت تصديقاً له وعنه عليه الصلاة والسلام «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا وما الشرك الأصغر قال «الرياء» والآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل وهما التوحيد والإِخلاص في الطاعة‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأها عند مضجعه كان له نوراً في مضجعه يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، فإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» وعنه عليه الصلاة والسلام «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء»‏.‏

سورة مريم

مكية إلا آية السجدة، وهي ثمان أو تسع وتسعون آية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏كهيعص ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏كهيعص‏}‏ أمال أبو عمرو الهاء لأن ألفات أسماء التهجي ياءات وابن عامر وحمزة الياء، والكسائي وأبو بكر كليهما، ونافع بين بين ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون دال الهجاء عند الذال، والباقون يدغمونها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ‏}‏ خبر ما قبله إن أول السورة أو بالقرآن، فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي‏:‏ هذا المتلو ‏{‏ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ‏}‏، أو مبتدأ حذف خبره أي فيما يتلى عليك ذكرها، وقرئ ‏{‏ذِكْرُ رَحْمَةِ‏}‏ على الماضي و‏{‏ذكر‏}‏ على الأمر‏.‏ ‏{‏عَبْدَهُ‏}‏ مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع كقولك‏:‏ ذكرني جود زيد‏.‏ ‏{‏زَكَرِيَّا‏}‏ بدل منه أو عطف بيان له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً‏}‏ لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان، والإِخفاء أشد إخباتاً وأكثر إخلاصاً أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر، أو لئلا يطلع عليه مواليه الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته‏.‏ واختلف في سنه حينئذ فقيل ستون، وقيل سبعون، وقيل خمس وسبعون، وقيل خمس وثمانون، وقيل تسع وتسعون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ رَبِّ إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى‏}‏ تفسير للنداء والوهن الضعف، وتخصيص العظم لأنه دعامة البدن وأصل بنائه ولأنه أصلب ما فيه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن وتوحيده لأن المراد به الجنس، وقرئ و‏{‏هن‏}‏ و‏{‏وهن‏}‏ بالضم والكسر ونظيره كمل بالحركات الثلاث‏.‏ ‏{‏واشتعل الرأس شَيْباً‏}‏ شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، وجعله مميزاً إيضاحاً للمقصود، واكتفى باللام على الإِضافة للدلالة على أن علم المخاطب بتعين المراد يغني عن التقييد‏.‏ ‏{‏وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً‏}‏ بل كلما دعوتك استجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتاداً فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنِّي خِفْتُ الموالى‏}‏ يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته ويبدلوا عليهم دينهم‏.‏ ‏{‏مِن وَرَائِى‏}‏ بعد موتي، وعن ابن كثير بالمد والقصر بفتح الياء وهو يتعلق بمحذوف، أو بمعنى «الموالى» أي خفت فعل الموالي من ورائي، أو الذين يلون الأمر من ورائي‏.‏ وقرئ «خفت الموالي من ورائي» أي قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعدي، أو خفوا ودرجوا قدامي، فعلى هذا كان الظرف متعلقاً ب ‏{‏خِفْتُ‏}‏‏.‏ ‏{‏وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا‏}‏ لا تلد‏.‏ ‏{‏فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ‏}‏ فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك، فإني وامرأتي لا نصلح للولادة‏.‏ ‏{‏وَلِيّاً‏}‏ من صلبي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ‏}‏ صفتان له وجزمهما أبو عمرو والكسائي على أنهما جواب الدعاء، والمراد وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورثون المال‏.‏ وقيل يرثني الحبورة فإنه كان حبراً، ويرث من آل يعقوب الملك، وهو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة والسلام‏.‏ وقيل يعقوب كان أخا زكريا أو عمران بن ماثان من نسل سليمان عليه السلام‏.‏ وقرئ «يرثني وارث آل يعقوب» على الحال من أحد الضميرين، وأو «يرث» بالتصغير لصغره، ووارث من آل يعقوب على أنه فاعل ‏{‏يَرِثُنِى‏}‏ وهذا يسمى التجريد في علم البيان لأنه جرد عن المذكور أولاً مع أنه المراد‏.‏ ‏{‏واجعله رَبِّ رَضِيّاً‏}‏ ترضاه قولاً وعملاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏يازكريا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام اسمه يحيى‏}‏ جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه وإنما تولى تسميته تشريفاً له‏.‏ ‏{‏لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً‏}‏ لم يسم أحد بيحيى قبله، وهو شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمى‏.‏ وقيل سمياً شبيهاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ لأن المتماثلين يتشاركان في الاسم، والأظهر أنه أعجمي وإن كان عربياً فمنقول عن فعل كيعيش ويعمل‏.‏ وقيل سمي به لأنه حيي به رحم أمه، أو لأن دين الله حيي بدعوته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 15‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‏(‏8‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‏(‏9‏)‏ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‏(‏10‏)‏ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏11‏)‏ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‏(‏12‏)‏ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ‏(‏13‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ‏(‏14‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِى غلام وَكَانَتِ امرأتى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً‏}‏ جساوة وقحولاً في المفاصل، وأصله عتو وكقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص ‏{‏عِتِيّاً‏}‏ بالكسر، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافاً بأن المؤثر فيه كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ أي الله تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقاً له‏.‏ ‏{‏كذلك‏}‏ الأمر كذلك، ويجوز أن تكون الكاف منصوبة ب ‏{‏قَالَ‏}‏ في‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبُّكَ‏}‏ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره‏.‏ ‏{‏هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ‏}‏ ويؤيد الأول قراءة من قرأ ‏{‏وَهُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ‏}‏ أي الأمر كما قلت، أو كما وعدت وهو على ذلك يهون علي، أو كما وعدت وهو عليّ هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، ومفعول قال الثاني محذوف‏.‏ ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً‏}‏ بل كنت معدوماً صرفاً، وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك»‏.‏

‏{‏قَالَ رَبِّ اجعل لِّى ءَايَةً‏}‏ علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به‏.‏ ‏{‏قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا‏}‏ سَوِيُّ الخَلْقِ ما بك من خرس ولا بكم، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن‏.‏

‏{‏فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب‏}‏ من المصلى أو من الغرفة‏.‏ ‏{‏فأوحى إِلَيْهِمْ‏}‏ فأومأ إليهم لقوله ‏{‏إِلاَّ رَمْزًا‏}‏‏.‏ وقيل كتب لهم على الأرض‏.‏ ‏{‏أَن سَبِّحُواْ‏}‏ صلوا أو نزهوا ربكم‏.‏ ‏{‏بُكْرَةً وَعَشِيّاً‏}‏ طرفي النهار، ولعله كان مأموراً بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه، و‏{‏أَن‏}‏ تحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة‏.‏

‏{‏يَا يحيى‏}‏ على تقدير القول‏.‏ ‏{‏خُذِ الكتاب‏}‏ التوراة‏.‏ ‏{‏بِقُوَّةٍ‏}‏ بجد واستظهار بالتوفيق‏.‏ ‏{‏وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً‏}‏ يعني الحكمة وفهم التوراة، وقيل النبوة أحكم الله عقله في صباه واستنبأه‏.‏

‏{‏وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا‏}‏ ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفاً في قلبه على أبوييه وغيرهما عطف على الحكم‏.‏ ‏{‏وزكواة‏}‏ وطهارة من الذنوب أو صدقة أي تصدق الله به على أبويه، أو مكنه ووفقه للتصديق على الناس‏.‏ ‏{‏وَكَانَ تَقِيّا‏}‏ مطيعاً متجنباً عن المعاصي‏.‏

‏{‏وَبَرّاً بوالديه‏}‏ وباراً بهما‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً‏}‏ عاقاً أو عاصي ربه‏.‏

‏{‏وسلام عَلَيْهِ‏}‏ من الله‏.‏ ‏{‏يَوْمَ وُلِدَ‏}‏ من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم‏.‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَمُوتُ‏}‏ من عذاب القبر‏.‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً‏}‏ من عذاب النار وهو القيامة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏واذكر فِى الكتاب‏}‏ في القرآن‏.‏ ‏{‏مَرْيَمَ‏}‏ يعني قصتها‏.‏ ‏{‏إِذِ انتبذت‏}‏ اعتزلت، بدل من ‏{‏مَرْيَمَ‏}‏ بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدل الكل لأن المراد ب ‏{‏مَرْيَمَ‏}‏ قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد، أو ظرف لمضاف مقدر وقيل ‏{‏إِذْ‏}‏ بمعنى أن المصدرية كقولك‏:‏ أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلاً لا محالة‏.‏ ‏{‏مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً‏}‏ شرقي بيت المقدس، أو شرقي دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكاناً ظرف أو مفعول لأن ‏{‏انتبذت‏}‏ متضمن معنى أتت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً‏}‏ ستراً‏.‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً‏}‏ قيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل عليه السلام متمثلاً بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهييج شهوتها به فتنحدر نطفتها إلى رحمها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ‏}‏ من غاية عفافها‏.‏ ‏{‏إِن كُنتَ تَقِيّاً‏}‏ تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك، أو فتتعظ بتعويذي أو فلا تتعرض لي، ويجوز أن يكون للمبالغة أي إن كنت تقياً متورعاً فإني أتعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ‏}‏ الذي استعذت به‏.‏ ‏{‏لأَهَبَ لَكِ غلاما‏}‏ أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدرع، ويجوز أن يكون حكاية لقول الله تعالى، ويؤيده قراءة أبي عمرو والأكثر عن نافع ويعقوب بالياء‏.‏ ‏{‏زَكِيّاً‏}‏ طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَتْ أنى يَكُونُ لِى غلام وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ‏}‏ ولم يباشر فيَّ رجل بالحلال، فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه، أما الزنا فإنما يقال فيه خبث بها وفجر ونحو ذلك ويعضده عطف قوله‏:‏ ‏{‏وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً‏}‏ عليه وهو فعول من البغي قلبت واوه ياء وأدغمت ثم كسرت الغين اتباعاً ولذلك لم تلحقه التاء، أو فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة، أو للنسب كطالق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ‏}‏ أي ونفعل ذلك لنجعله آية أو لنبين به قدرتنا ولنجعله، وقيل عطف على ليهب على طريقة الالتفات‏.‏ ‏{‏ءَايَةً لِلنَّاسِ‏}‏ علامة لهم وبرهاناً على كمال قدرتنا‏.‏ ‏{‏وَرَحْمَةً مِّنَّا‏}‏ على العباد يهتدون بإرشاده‏.‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً‏}‏ أي تعلق به قضاء الله في الأزل، أو قدر وسطر في اللوح أو كان أمراً حقيقاً بأن يقضى ويفعل لكونه آية ورحمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏فَحَمَلَتْهُ‏}‏ بأن نفخ في درعها فدخلت النفخة في جوفها وكان مدة حملها سبعة أشهر، وقيل ستة، وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره، وقيل ساعة كما حملته نبذته وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل عشر سنين وقد حاضت حيضتين‏.‏ ‏{‏فانتبذت بِهِ‏}‏ فاعتزلت وهو في بطنها كقوله‏:‏

تَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ وَالتَرِيبَا *** والجار والمجرور في موضع الحال‏.‏ ‏{‏مَكَاناً قَصِيّاً‏}‏ بعيداً من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَجَاءَهَا المخاض‏}‏ فألجأها المخاض، بالكسر وهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج‏.‏ ‏{‏إلى جِذْعِ النخلة‏}‏ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وهو ما بين العرق والغصن وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء، والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثم غيرها وكانت كالمتعالم عند الناس، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياته ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها‏.‏ ‏{‏قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هذا‏}‏ استحياء من الناس ومخافة لومهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر ‏{‏مت‏}‏ من مات يموت‏.‏ ‏{‏وَكُنتُ نَسْياً‏}‏ ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب ونظيره الذبح لما يذبح، وقرأ حمزة وحفص بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر سمي به، وقرئ به وبالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته‏.‏ ‏{‏مَّنْسِيّاً‏}‏ منسي الذكر بحيث لا يخطر ببالهم وقرئ بكسر الميم على الاتباع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا‏}‏ عيسى، وقيل جبريل كان يقبل الولد، وقيل تحتها أسفل من مكانها‏.‏ وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح «من تحتها» بالكسر والجر على أن في نادى ضمير أحدهما، وقيل الضمير في تحتها النخلة‏.‏ ‏{‏أَلاَّ تَحْزَنِى‏}‏ أي لا تحزني أو بأن لا تحزني‏.‏ ‏{‏قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً‏}‏ جدولاً‏.‏ هكذا روي مرفوعاً، وقيل سرياً من السرو وهو عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 34‏]‏

‏{‏وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ‏(‏25‏)‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ‏(‏26‏)‏ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ‏(‏27‏)‏ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ‏(‏28‏)‏ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ‏(‏29‏)‏ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ‏(‏31‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ‏(‏32‏)‏ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏33‏)‏ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة‏}‏ وأميليه إليك، والباء مزيدة للتأكيد أو افعلي الهز والأمالة به، أو ‏{‏هزي‏}‏ الثمرة بهزه والهز تحريك بجذب ودفع‏.‏ ‏{‏تساقط عَلَيْكِ‏}‏ تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وحذفها حمزة، وقرأ يعقوب بالياء وحفص «تساقط» من ساقطت بمعنى أسقطت، وقرئ «تتساقط» و«تسقط» و«يسقط» فالتاء للنخلة والياء للجذع‏.‏ ‏{‏رُطَباً جَنِيّاً‏}‏ تمييز أو مفعول‏.‏ روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء، فهزتها فجعل الله تعالى لها رأساً وخوصاً ورطباً‏.‏ وتسليتها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش، والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل، وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين فقال‏:‏

‏{‏فَكُلِى واشربى‏}‏ أي من الرطب وماء السرى أو من الرطب وعصيره‏.‏ ‏{‏وَقَرِّي عَيْناً‏}‏ وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك، وقرئ ‏{‏وقَرى‏}‏ بالكسر وهو لغة نجد، واشتقاقه من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من الفرقان دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين للمحبوب وسخنتها للمكروه‏.‏ ‏{‏فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً‏}‏ فإن تري آدمياً، وقرئ «ترئن» على لغة من يقول لبأت بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين‏.‏ ‏{‏فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً‏}‏ صمتاً وقد قرئ به، أو صياماً وكانوا لا يتكلمون في صيامهم‏.‏ ‏{‏فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً‏}‏ بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي‏.‏ وقيل أخبرتهم بنذرها بالإِشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه قاطع في قطع الطاعن‏.‏

‏{‏فَأَتَتْ بِهِ‏}‏ أي مع ولدها‏.‏ ‏{‏قَوْمَهَا‏}‏ راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس‏.‏ ‏{‏تَحْمِلُهُ‏}‏ حاملة إياه‏.‏ ‏{‏قَالُواْ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً‏}‏ أي بديعاً منكراً من فري الجلد‏.‏

‏{‏يَآ أُخْتَ هارون‏}‏ يعنون هرون النبي عليه الصلاة والسلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة، وقيل كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة‏.‏ وقيل هو رجل طالح أو صالح كان في زمانهم شبهوها به تهكماً أو لما رأوا قبل من صلاحها أو شتموها به‏.‏ ‏{‏مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً‏}‏ تقرير لأن ما جاءت به فري، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش‏.‏

‏{‏فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ‏}‏ إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أي كلموه ليجيبكم‏.‏ ‏{‏قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً‏}‏ ولم نعهد صبياً في المهد كلمه عاقل، و‏{‏كَانَ‏}‏ زائدة والظرف صلة من‏.‏

و ‏{‏صَبِيّاً‏}‏ حال من المستكن فيه أو تامة أو دائمة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً‏}‏ أو بمعنى صار‏.‏

‏{‏قَالَ إِنّى عَبْدُ الله‏}‏ أنطقه الله تعالى به أولاً لأنه أول المقامات والرد على من يزعم ربوبيته‏.‏ ‏{‏ءَاتَانِىَ الكتاب‏}‏ الإِنجيل‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَنِى نَبِيّاً‏}‏‏.‏

‏{‏وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً‏}‏ نفاعاً معلماً للخير، والتعبير بلفظ الماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع وقيل أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً‏.‏ ‏{‏أَيْنَمَا كُنتُ‏}‏ حيث كنت‏.‏ ‏{‏وَأَوْصَانِى‏}‏ وأمرني‏.‏ ‏{‏بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ‏}‏ زكاة المال إن ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل‏.‏ ‏{‏مَا دُمْتُ حَيّاً‏}‏‏.‏

‏{‏وَبَرّاً بِوَالِدَتِى‏}‏ وباراً بها عطف على ‏{‏مُبَارَكاً‏}‏، وقرئ بالكسر على أنه مصدر وصف به أو منصوب بفعل دل عليه أوصاني، أي وكلفني براً ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفاً على «الصلاة»‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً‏}‏ عند الله من فرط تكبره‏.‏

‏{‏والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً‏}‏ كما هو على يحيى والتعريف للعهد والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه، فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسلام على مَنِ اتبع الهدى‏}‏ فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى‏.‏

‏{‏ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ‏}‏ أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم‏.‏ ‏{‏قَوْلَ الحق‏}‏ خبر محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، والإِضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة‏.‏ وقيل صفة ‏{‏عِيسَى‏}‏ أو بدل أو خبر ثان ومعناه كلمة الله‏.‏ وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب ‏{‏قَوْلَ‏}‏ بالنصب على أنه مصدر مؤكد‏.‏ وقرئ «قال الحق» وهو بمعنى القول‏.‏ ‏{‏الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ‏}‏ في أمره يشكون أو يتنازعون، فقالت اليهود ساحر وقالت النصارى ابن الله وقرئ بالتاء على الخطاب‏.‏